الشيخ محمد رشيد رضا

336

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وفيه نظر من بعض الوجوه وهذا أمر غيبي لا يعلم الا بتوقيف ولم يصح في قول منها حديث مرفوع متصل الاسناد فيما يظهر من كلامهم ، ولكن ورد في حديث لأبي هريرة ان النبي ( ص ) سأل جبريل عن هذه الآية : من الذين لم يشأ اللّه أن يصعقوا ؟ قال : « هم شهداء اللّه عز وجل » قال الحافظ صححه الحاكم ورجاله ثقات ورجحه الطبري اه ولكن الحافظ لم يذكر هذا قولا مستقلا بل أدمجه في قول من قال إنهم الأنبياء . أي بناء على أن المراد بشهداء اللّه حججه على خلقه بحسن سيرتهم واستقامتهم في الدنيا إذ يشهدون في الآخرة بضلال كل من كان مخالفا لهديهم وسنتهم في اتباع دين اللّه عز وجل ، والأنبياء في مقدمتهم قطعا فكل نبي يشهد على قومه كما قال ( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ) وهؤلاء الشهداء لا تخلو الأرض منهم ، يقلون تارة ويكثرون أخرى ، ولكن يجب أن يجعل هذا قولا مستقلا فان الشهداء أعم من الأنبياء ومن الصديقين فكل نبي شهيد وكل صديق شهيد ومن الشهداء من ليس بنبي ولا صديق ولكن كل شهيد صالح وما كل صالح بشهيد ، فبين طبقات ( الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ ) العموم والخصوص المطلق ، وإذا كان الصعق المراد هو الموت فلا يظهر للقول بأن المستثنى هم الأنبياء وجه ، وكذا إذا كان المراد به الغشيان المعبر عنه في آية النمل بالفزع وكانت النفخة المحدثة له هي الأولى إذ يتلوه موت الخلق وخراب الدنيا كما هو الظاهر المتبادر ، وظاهر بعض الأحاديث ان ذلك يكون يوم البعث وهو خلاف المتبادر من الآيات كلها ، فعلم مما ذكرنا ان إبليس لا ينتهي انظاره إلى يوم البعث بل يموت عقب النفخة الأولى التي يتلوها خراب هذه الأرض كما قال تعالى في سورة الحاقة ( 69 : 12 فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ 13 وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ) الا إذا قيل إن يوم القيامة ويوم البعث يطلق تارة على ما يشمل زمن مقدماته فيسمى كل ذلك يوما كما يطلق تارة على زمن المقدمات وحدها وتارة على زمن الغاية وحدها ، إذ معناه في اللغة الزمن الذي يتميز بعمل معين فيه كأيام العرب المعروفة ، وقد يستدل على هذا بقوله تعالى بعد الآيتين المذكورتين آنفا من سورة الحاقة ( 14 فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ) - الآيات ، وفي هذا الباب حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما الناطق بأن الناس يصعقون يوم القيامة وان النبي ( ص ) يكون أول من يرفع رأسه فيجد